Press "Enter" to skip to content

الخسائر البشرية للحرب الجوية الأمريكية

كان هذا أول تقرير أطّلع عليه وكانت مفاجأة. لقد صدق حدسي بأن هناك خللاً كبيراً في تلك الحرب. فقد خضعت عائلة رازو للمراقبة لمدة 95 دقيقة فقط على مدار عدة أسابيع قبل التصريح بالغارة وكان الانحياز التأكيدي مستشرياً في تلك الواقعة. فلم يهتم أحدٌ بأنه، حسبما ذكر التقرير، ”لم يُرصد نشاط مشبوه واضح“. أما مُحلل فيديو المراقبة فقد فسّر النشاط المعتاد للأسرة بمنظور تجريمي، فاعتَبر على سبيل المثال أن فتح رازو أو شقيقه لبوابة المنزل لاستقبال أحد الضيوف هو إجراء متبع في مقرات داعش؛ أو أن الغياب الواضح للنساء يؤكد أن المكان تابع لداعش (والحقيقة أن نساء عائلة رازو نادراً ما كنّ يخرجن من المنزل بسبب سيطرة داعش على الموصل آنذاك). من الواضح أنه لم يكن في وسع الأسرة أن تفعل شيئاً لإقناع من يراقبونهم أنهم أبرياء. وفي النهاية، أقرّ التقرير باحتمالية حدوث خلط بين الهدف ومبنى مجاور له. (اشتركتُ أنا وجوبال عام 2017 في كتابة مقالة عن قصة رازو نُشرت في هذه المجلة تحت عنوان ”The Uncounted“). 

بعد الاطلاع على تقرير واقعة رازو، تيقنتُ أن هناك الكثير من المعلومات التي لم تُكشف بعد عن إدارة الحرب الجوية. فإذا كانت هذه هي الإجراءات والمعلومات الاستخباراتية التي استندت إليها غارة جوية خُطِّط لها بعناية وخضعت للتدقيق على أعلى المستويات، فكيف يكون الوضع مع المعلومات الاستخباراتية في عشرات الآلاف من الغارات الأخرى التي نُفّذ أغلبها على نحو أسرع من ذلك؟ بدأتُ في تقديم طلبات للحصول على تقارير تقييم المصداقية لآلاف الغارات الأخرى التي قيل إنها تسببت في مقتل مدنيين. 

بينما كنت أنتظر البتّ في تلك الطلبات، عدتُ مرةً أخرى إلى العراق. كان رازو وعائلته يعيشون في الجزء الشرقي من الموصل. في مطلع عام 2018، عدتُ للتحقيق في غارات الجزء الغربي من المدينة. أردتُ تفقّد المدينة القديمة غرب الموصل مثلما فعلتُ في شرق المدينة. كانت خطتي أن أتنقل من باب إلى آخر أتحدث مع السكان وأوثق كل منطقة أعثر عليها من المناطق المتأثرة بالغارات، لكني لم أجد أبواباً أطرقها في المدينة القديمة. فأغلب المنطقة أصبح أنقاضاً. ولإفساح الطريق أمام السيارات، استعان السكان بمعدات ثقيلة لرفع الأنقاض وحطام المنازل بل وبعض أشلاء القتلى ووضعها على جانبي الطريق.  

وبالقرب من جامع النوري الكبير، صادفتُ مقبرةً مؤقتة. فمع احتدام الحرب، اضطرت العائلات لدفن ذويها بسرعة في هذا المكان وتمييز القبور باستخدام الصخور أملاً في العودة إليهم ودفنهم دفناً لائقاً عندما تهدأ الأوضاع. تجمّع عدد من الرجال، فسألتُهم عن الثمن الذي دفعوه للتحرر من داعش. تقدّم أحدهم، ويُدعى مُضَر عبد القادر، ليشاركني رأيه. عاش مُضَر حياته بالكامل في الموصل وكان ناقماً على ما حدث في مسقط رأسه. قال لي: ”كنا نحن الضحيّة. دفعنا الثمن بأجسادنا“. 

وكما هو الحال مع عبد القادر، رفض كثير من السكان الذين التقيتُهم في تلك الجهة من المدينة أن يسمّوا ما حدث تحريراً، فهم يرون أن الحكومة في بغداد وشركاءها الأمريكيين اتخذوا قراراً متعمّداً بمعاقبة الموصل وسكانها. ودليلهم على ذلك أنه في كل هجوم كبير ضد داعش، من الرمادي إلى الفلوجة، كانت قوات التحالف تترك للمقاتلين فرصة الانسحاب، وهو ما يسهّل عملية التمييز بين المدنيين والمقاتلين. ولذا، عندما حاصرت قوات التحالف مواقع داعش غرب الموصل عام 2017، ظنّ الجميع أن هذا ما سيحدث، لكنهم كانوا مخطئين. هذه المرة، لم يكن هناك مهرب ولا ممر للوصول إلى سوريا. إنها نهاية الطريق. أحاطت القوات العراقية والميليشيات بالموصل وأغلقت جميع المخارج وحاصرت المدنيين مع المقاتلين وهم يخوضون آخر معاركهم. ولمّا وجد مقاتلو داعش أنفسهم أمام قوة جوية مهولة وهزيمة مؤكدة، احتجزوا أعداداً كبيرة من الرهائن المدنيين. وعندما انهمرت قذائف التحالف وقنابله، أخذت تحصد الأرواح بلا تمييز. 

انتشرت الأنباء بأن الغارات التي شنتها قوات التحالف لطرد داعش من المدينة قد أسفرت عن سقوط قتلى من المدنيين. أراد عبد القادر أن يُريني آثار الدمار الناجم عن إحدى هذه الغارات حيث دمّرت منزل طارق خليل إبراهيم سنجاري وعائلته في شهر أبريل عام 2017. لم يكن المنزل يبعد سوى أمتار قليلة، لكننا استغرقنا 30 دقيقة نتسلق الأنقاض حتى وصلنا إلى موقع الانفجار. كان الحطام يحيط بالمنزل على ارتفاع كبير حتى بدا وكأننا نطلّ على سرداب. 

وعلى مدار الشهور القليلة التالية، أجريتُ عدة مقابلات مع السكان الذين عاشوا في هذا البيت وفي المنطقة، ومن خلال هذه المقابلات تكوّنت لديّ صورة مبدئية عما حدث. فقد استأجرت عائلة سنجاري هذا المنزل بعد أن دُمّر منزلهم في الحرب. وفي ليلة الغارة، كان هناك 27 شخصاً نائمين في خمس غرف بالمنزل. بعد الساعة 12:30 صباحاً بقليل، استيقظ الابن عماد طارق خليل إبراهيم عاجزاً عن التنفس وأدرك أن جزءاً من جسده مدفون تحت الحجارة. وبعد أن تمكن من إزاحتها بعيداً، عثر على زوجته وابنيه، ثم سمع صوتاً فبدأ يبحث عن ناجين آخرين. كان النصف السفلي من جسد شقيقه محمود طارق خليل عالقاً أسفل كتلة خرسانية وقضبان فولاذية. قال عماد بنبرة هادئة: ”لا يمكنني أن أصف أصوات أنينه. أخذت أعانقه وأقبّل جبهته. قلت له: ‘لا تقلق، ستكونُ بخير. سوف ننقذك.’ لكنه لم يقل شيئاً. كان يتأوه فحسب“. 

جاء الجيران للمساعدة وقضوا أكثر من ثلاث ساعات يحاولون إخراج محمود والآخرين، لكن الكتلة الخرسانية كانت ثقيلة لا تتزحزح من مكانها. شعر عماد بتباطؤ نبض محمود وانخفاض حرارة جسمه، ففهم ما يحدث. قبّل شقيقه ودعا له ثم غادر الغرفة. 

استخدم الجيران مطرقة حَفر وأداة لقطع المعادن ورافعة سيارة وظلوا حتى الساعة الواحدة ظهراً يحاولون إنقاذ الناجين وانتشال الجثث. بعدها توجهوا إلى دفن القتلى البالغ عددهم سبعة. عندما تحدثتُ مع عماد بعد مرور عام على الغارة، لم يكن يستوعب ما حدث. أخبرني أن الأسرة سمعت أزيز الطائرات فوق رؤوسهم لمدة ”24 ساعة في اليوم“. فما الذي كانت تفعله هذه الطائرات إذا لم تكن ترسل المعلومات عن وجود عشرات المدنيين في المنزل؟ قال إن مقاتلي داعش احتلوا المنزل المجاور لمنزلهم فترة قصيرة، لكنهم غادروه قبل الغارة بثلاثة أو أربعة أسابيع. يبدو أن ذلك المنزل لم يُصب في الغارة. 

قال عماد: ”أكثر ما يهمّني الآن أن أساعد في ألا يتكرر ما حدث لأسرتي مع شخص آخر. هل يمكنكِ كشف الحقيقة عن سبب استهداف هذا المنزل“.  

كان الكشف عن الحقيقة مهمة شبه مستعصية من دون الوثائق. وبحلول شهر يونيو عام 2018، رفضت القيادة المركزية تسريع الإجراءات لجميع الطلبات التي تقدمتُ بها. وعليه رفعتُ دعوى قضائية بمساعدة محامين من ”لجنة مراسلين من أجل حرية الصحافة“ (RCFP). وفي بداية شهر أكتوبر، استلمتُ أول دفعة من التقارير من بينها وثائق حول 35 غارة في العراق خلُص تقييم البنتاغون لها إلى أنها أسفرت عن سقوط قتلى بين صفوف المدنيين. 

طبعتُ أكثر من 300 صفحة من هذه التقارير وبدأت أضع عليها الأسئلة التي سأوجهها للمصادر العسكرية. كانت التقييمات تعجّ باختصارات ولغة الجيش، وازداد غموضها بسبب الحجب المتكرر للمعلومات. لكن مثلما حدث مع الوثيقة الأولى التي حصلتُ عليها حول الغارة على منزل باسم رازو، تضمنت هذه الوثائق الكثير من المعلومات التي تكشف عن طبيعة الحرب الجوية الأمريكية. 

في أحد التقييمات المقلقة بشكل خاص، وجدتُ تسجيلاً لمحادثة بين أفراد الجيش أثناء تنفيذهم إحدى الغارات في الموصل. كانوا يتحدثون عن الغارة وكأنهم يشاركون في لعبة فيديو. قال أحدهم إن المنطقة تعجُّ بالأهداف، ومع انتهاء المحادثة أدركوا أنهم ربما رأوا أطفالاً. وهناك تقرير آخر عن غارة قرّر المسؤولون عن تنفيذها إطلاق قذائف أكبر بكثير من حجم الهدف حتى يحتفظوا بالقذائف الأصغر للاستخدام لاحقاً. وقد أدى الانفجار الناجم عن الضربة إلى تدمير سيارتين مدنيتين إلى جانب سيارة داعش المستهدفة. 

زادت الصورة وضوحاً لا سيما عند قراءة هذه الوثائق جنباً إلى جنب مع التحقيق الميداني المستقل الذي غاب عن تقييمات المصداقية. فبينما كنت أتصفح الوثائق، لاحظتُ أن جميع التحقيقات تخلو من أي مقابلات كالتي أجريها مع المدنيين. وأقربُ ما وجدتُه لتلك المقابلات كان وصفاً في إحدى الوثائق لمقابلة أجرتها قوات العمليات الخاصة مع مدنيين فرّوا قبل فترة قصيرة من منطقة تسيطر عليها داعش. كان واضحاً أن الغرض من طرح الأسئلة على المدنيين هو تحديد الأهداف المحتملة لداعش لشن هجوم عليها، وليس جمع المعلومات حول الضحايا المدنيين. رغم ذلك، واغتناماً لهذه الفرصة، تحدّث سكان المخيم عن الغارة الجوية التي تسببت في مقتل جيرانهم. 

ربما يفسر هذا التباين بين الوثائق والواقع على الأرض انخفاض أعداد الضحايا المدنيين التي أقرتها القيادة المركزية عن الأعداد التي وثقتُها. وأحد الأمثلة على ذلك ما كشفته زيارتي إلى قرية التوخار السورية أواخر عام 2018، وهو المكان الذي قيل إنه شهد أكبر واقعة لسقوط ضحايا مدنيين في الحرب. زعم البنتاغون أن الغارة على قرية التوخار عام 2016 تسببت في مقتل 24 مدنياً، لكن بعض التقديرات تشير إلى ما يزيد عن 200 مدني، وهو ما يجعل حصيلة القتلى الناجمة عن غارة التوخار أكبر من حصيلة القتلى في أي غارة أخرى شنتها قوات التحالف أثناء الحرب. 

قضيتُ شهوراً أحاول إقناع الحكومة التركية بمنحي تصريحاً لعبور الحدود حتى أتمكن من الذهاب إلى قرية التوخار في سوريا. وبعد الحصول على التصريح، غادرنا ”غازي عنتاب“ وعبرنا الحدود إلى سوريا ثم انطلقنا بالسيارة جنوباً حتى وصلنا إلى التوخار في الظهيرة. تذكَّر كل من تحدثنا معهم الواقعة. قالوا إنه مع احتدام القتال بين قوات سوريا الديموقراطية وتنظيم داعش، توجه نحو 200 شخص ممن يعيشون بالقرب من خط القتال إلى أطراف القرية واحتموا داخل أربعة منازل في مكان بعيد عن القتال، حيث اعتقدوا أنهم بمأمن في هذا المكان الذي لم تقترب منه قوات داعش. 

لكن في يوم التاسع عشر من يوليو، شنّت قوات التحالف سلسلة من الغارات على المنطقة. كتبتُ أسماء الأشخاص الذين لقوا حتفهم في المنازل الأربعة، وتأكدتُ من صحة التفاصيل من خلال المعلومات المتاحة علناً والصحفيين المحليين وغيرهم. ووفقاً للعدد الذي رصدتُه في مقابلاتي مع الناجين، والذي تحققتُ منه على مدار الأشهر التالية، لقي أكثر من 120 شخصاً مصرعهم في غارة التوخار. وكشفت مقابلاتي مع الناجين عن تفاصيل مروعة، إذ أصيب العشرات بإصابات مسببة للعجز. أخبرني بعض الناجين أن الكثير من سكان القرية قُتلوا في تلك الليلة لدرجة أنه لم يكن هناك عدد كاف من الشباب لاستخراج الجثامين من بين الأنقاض. استغرق استخراج الجثامين نحو أسبوعين، ولم يُعثر على بعض القتلى قط. 

عندما عدتُ إلى ”غازي عنتاب“ تلك الليلة وتفقدتُ بريدي الإلكتروني، وجدتُ تقييم المصداقية بشأن غارة التوخار بانتظاري. ورغم إجراء تحقيق كامل حول الواقعة، لم تصلني سوى صفحة واحدة إلى جانب صفحة الغلاف التي تضم المعلومات الأساسية. كانت إحدى فرق العمليات الخاصة – عرفتُ لاحقاً من مصدر آخر أنها ”فرقة العمل 9“ – قد دعت إلى تنفيذ غارة سريعة في شمال سوريا، حيث تلقى أفراد الفرقة أنباءً تفيد بأن مقاتلي داعش يتنقلون في مناطق ”خالية من المدنيين“، فاستنتجوا أن المقاتلين يحشدون لهجوم مضاد على قوات سوريا الديموقراطية. دمرت ”فرقة العمل 9“ ثلاث ”مناطق حشد“ وخمس سيارات. كانوا واثقين أن الغارة أودت بحياة 85 مقاتلاً من داعش، لكن فريق التقييم توصل لاحقاً إلى أن نحو 7 إلى 24 مدنياً ”ربما اختلطوا“ بمقاتلي داعش. وبعد عامين عندما وصلتني صفحات أخرى حُجب أغلبها من نفس التقرير، علمتُ أن الأساس الذي استند إليه هذ الحُكم هو ”تحليل ما بعد الغارة“ و ”تقارير مصدرها قوات سوريا الديموقراطية“.  

وبسبب هذا التباين بين ما رأيتُه في قرية التوخار وما قرأتُه في التقرير الرسمي للبنتاغون، أدركتُ أنه ينبغي عليّ أن أتعامل بشك مع الوثائق التي أجمعها وأن أستكملها بالتغطية الميدانية قدر المستطاع. وخلال رحلاتي إلى العراق وسوريا وأفغانستان، تقدمتُ بطلبات للحصول على المزيد من التقييمات بينما أحلل الوثائق التي تصلني باستمرار كل شهرين تقريباً. ورغم أني كنت أستطيع نشر هذه الوثائق أثناء انتظار غيرها، فإن تحرّي الإنصاف فرض عليّ أن أتفقد عدداً أكبر من الغارات على أرض الواقع. فالوثيقة العسكرية وحدها تجعلك ترى الصورة كما رآها الجيش من الجو، وقد تعلّمت من تحقيقي في الحرب الجوية الأمريكية على مدار سنوات أنه من الخطر الاكتفاء بهذه الصورة.  

مع انتشار الجائحة في ربيع عام 2020، اضطررت إلى وقف التحقيق الذي أجريه في العراق، وقضيت تلك الفترة في تجميع وتحليل الوثائق التي حصلت عليها. استعنتُ بباحثَين مساعدَين هما ليلى حسن وجيف باروت، طلابي السابقين في مادة تغطية النزاعات في كلية كولومبيا للصحافة، وذلك لمساعدتي في بناء قاعدة البيانات. ومعاً وضعنا خطة لاستئناف التحقيقات فور رفع القيود المفروضة على السفر. في ذلك الوقت، كنت أفهم التقييمات التي أقرؤها فهماً أفضل وكان لديّ الكثير من الوثائق. تقدّمتُ بطلبات أخرى بموجب قانون حرية المعلومات، وكانت هذه الطلبات تتحرك في المسار الإجرائي المعتاد. بدأتُ أتلقى آلاف الصفحات من الوثائق، بوتيرة تفوق قدرة أي شخص على التعامل معها. 

وبنهاية عام 2020، تلقيتُ معلومة جديدة ستفيد تحقيقاتي في الميدان. فبعد سنوات من المفاوضات، زوّد الجيش الأمريكي أخيراً مجموعة Airwars، وهي منظمة بريطانية غير ربحية، بالإحداثيات العسكرية لمواقع الغارات التي أقرّ بسقوط ضحايا مدنيين فيها. فحتى ذلك الحين، كان من الصعب أن أحدد بدقة مكان غارة مذكورة في البيانات الصحفية للبنتاغون أو في تقييمات المصداقية. عادةً ما تشير تلك البيانات إلى وقوع غارة ”قرب الموصل“ وهي معلومة لا فائدة منها. وحتى بعد أن بدأتُ استلام الوثائق، كان الموقع الدقيق للغارة محجوباً دائماً، وهو ما حدث أيضاً مع معظم الخرائط أو الصور التي يمكن أن تساعدني في تحديد الموقع. والآن بفضل مجموعة Airwars، أصبح لديّ الإحداثيات التي يُفترض أنها دقيقة في نطاق 100 متر. بهذه البيانات، يمكنني أن أذهب إلى مكان أعلم أنه شهد حدوث غارة جوية وأبدأ بطرح الأسئلة. 

في الوقت الذي تلقيتُ فيه الجرعة الثانية من لقاح كوفيد، كنتُ قد وضعتُ منهجية لتنفيذ ذلك. فقبل زيارة أي موقع من المواقع التي أكّد الجيش مقتل المدنيين فيها، كنت أحلّل الوثائق لمعرفة التفاصيل الأساسية عن الادعاء، مثل المعلومات الاستخباراتية، والاستنتاج الذي خلُص إليه الجيش، وكيف تمت الموافقة على الضربة، وما الذي رصده الفيديو، والمحادثات والتقارير، وتقديرات الضحايا وغيرها. بعدها، أبحث عن الإحداثيات التي كشف عنها الجيش، وأحلل الموقع باستخدام صور الأقمار الصناعية قبل تاريخ الغارة وبعدها، لأرصد أي مناطق متأثرة وأحدد ما إذا كان هناك شيء يتطابق مع وصف الهدف في الوثيقة، أو إذا كانت الإحداثيات غير دقيقة. 

قررتُ أن أبدأ بالموصل. أردتُ أن أفحص عدداً كبيراً من المواقع وهو ما سيستغرق وقتاً طويلاً. كنتُ قد كونتُ شبكة علاقات في المدينة تجعلني أعمل هناك بأمان لعدة شهور. ولأستعدّ لزيارتي، استعنتُ بطالبين من قسم الترجمة في جامعة الموصل هما مؤمن مهند وزينب الفخري ودرّبتهما على الأدوات الأساسية للصحافة الاستقصائية. 

تشير السجلات إلى أن هناك 90 واقعة تأكّد فيها سقوط ضحايا مدنيين في الموصل والمناطق المحيطة بها. كنتُ قد زرتُ بعض هذه المناطق من قبل، لكني لم أزر الكثير منها بعد. بدأنا بدراسة كل منطقة من مناطق الغارات باستخدام أدوات رسم الخرائط المعتمدة على المصادر الجماعية المحلية حتى نتمكن من فهم المنطقة وبنيتها التحتية فهماً أفضل. كما تحققنا من المعلومات المتداولة علناً عن الواقعة، كالمصادر التي وثقتها مجموعة Airwars، وأجرينا بحثنا الخاص للوصول إلى مواد أخرى مثل مقاطع الفيديو الدعائية التي كانت تبثها داعش لتوثيق الوضع عقب الانفجار. (اعتُبرت مقاطع الفيديو التي تبثها داعش موثوقة إلى حد كبير في رصدها لأعداد الضحايا المدنيين، حتى من قبل المجموعات المعارضة لداعش). حققنا كذلك في مقاطع الفيديو التي سجلتها قوات التحالف للتفجيرات للبحث عن أي تطابق محتمل. واستخدمنا موقع الأرشيف الرقمي ”Wayback Machine“ ومواقع أرشفة رقمية أخرى للبحث عن أي مواد لم تعد متاحة في مكان آخر على الإنترنت. وضعتُ كل تلك المواد التي جمّعتها في تطبيق إلكتروني لأتمكن من الوصول إليها عن طريق هاتفي أثناء وجودي في الميدان.  

وفي مطلع شهر مايو وصلتُ إلى الموصل وبدأتُ زيارة مواقع الغارات مع مؤمن وأحد خبراء الأمن المحليين. وعلى مدار الشهرين التاليين، تحققت من 50 موقعاً هناك. كنا نبدأ كل مرة بإحداثيات الموقع الرسمية المعلنة من الجيش – حتى وإن دلّ مضمون الوثيقة أو تحليل الصور على احتمالية خطأ هذه الإحداثيات. في بعض الحالات، كنت أستنتج أن الإحداثيات غير دقيقة، لكني كنت أصل إلى الموقع الفعلي للغارة اعتماداً على التفاصيل الأخرى في الوثيقة أو من خلال البحث الميداني. ومن بين 50 موقعاً زرتها في الموصل، استطعتُ تأكيد تفاصيل الواقعة وتحديد الناجين أو شهود العيان في 27 موقعاً. 

عند الوصول إلى مكان الإحداثيات، كنت أحاول البحث عن الموقع الذي استهدفته الغارة. كنت أقدّم نفسي للأشخاص القريبين من المكان وأسألهم إذا كانت لديهم أي معلومات عما حدث، وهو ما يتوقف على ما إذا كانوا قد عاشوا في المنطقة خلال الفترة الزمنية المذكورة. أدركتُ أن ما يخبرني به الناس قد لا يكون صحيحاً، إما لأن الأحداث التبست عليهم أو لأنهم لا يقولون الحقيقة، ولذلك بذلت قصارى جهدي لأتفادى المعلومات الخاطئة. وقد فعلتُ ذلك بطرق شتّى. فرغم أني أصل إلى المكان ولديّ صورة واضحة عما حدث وفقاً لرواية الجيش، كنت أحتفظ بتلك الصورة لنفسي وأحاول جاهدةً ألا أطرح أسئلةً توحي بالجواب. كنت أيضاً ألتمس وجهات النظر المختلفة من شهود العيان. لم أكن أصرّح بخبر الزيارة قبل موعدها، حتى لا يرتّب أحد للمقابلات أو يتفقّد المكان قبل الزيارة. في بعض الأحيان، كنت أجد الكثير من المعلومات التي أدلى بها شهود عيان في مواد علنية المصدر فأطلع عليها مسبقاً، لكني حرصتُ على عدم التواصل مع أي شخص عبر فيسبوك أو تويتر قبل وصولي للموقع لأن ذلك قد يتسبب في لفت الأنظار للزيارة وربما التحيز في العمل. كان التلاعب بالأدلة ومواءمة الروايات أمراً وارداً، لذلك فإن مقابلة الناس دون سابق تخطيط سيضمن حصولي على شهادات بالغة المصداقية.  

كان وقت وصولي للموقع يختلف باختلاف المنطقة. فإذا كان سكان المنطقة من الطبقة العاملة، يمكنني الذهاب في الصباح والعثور على أشخاص هنا وهناك. أما في المناطق السكنية الأكثر ثراءً، تكون الشوارع خالية من المارة ولا يستجيب أحد لقرع أجراس البيوت. كان أصحاب المحلات والعمال يتذكرون بسهولة التفاصيل الأساسية، لكن دون تذكر التواريخ المحددة للواقعة. كنتُ أحدد النطاق الزمني بحسب الأحداث المعروفة – على سبيل المثال ”عيد الأضحى عام 2017“، أو ”قبل تحرير هذه المنطقة بأسبوعين“، أو ”عقب تدمير داعش لقبر النبي يونس“. وبعد تكوين فكرة عما حدث، أبدأ بتضييق نطاق الاحتمالات. حرصتُ أيضاً على عدم طرح أسئلة محددة وأن أترك التفاصيل تتأكد بشكل تلقائي. على سبيل المثال، بدلاً من أن أسأل: ”هل قُتل هنا رجل كان يدفع عربة“.، كنت أتساءل عن المبنى المجاور وهل تأثر بالانفجار أم لا. 

في بعض الأحيان، كان الأشخاص الذين أحاورهم يصفون بدقة التفاصيل التي ذكر التقرير أن المحللين رصدوها في الفيديو – وهي تفاصيل لم تظهر قط على مواقع التواصل الاجتماعي. على سبيل المثال، تذكّر رجل في الموصل مشهداً محدداً للغاية حين سقط صاروخ في الجهة المقابلة في الشارع لكنه أخطأ في إصابة شخص من داعش كان جالساً على كرسي متحرك، فأعقبه صاروخ ثان أصابه مباشرةً وهو يحاول أن يلوذ بالفرار، وأصاب أطفالاً كانوا يركضون خارج منازلهم. لم أكن قد سألته عن الكرسي المتحرك، لكن روايته الدقيقة شجعتني أن أطلب منه الجلوس للحديث عن المزيد عن الواقعة. 

لم تكن الموافقة على إجراء الحوار قاصرةً على سؤال الأشخاص عما إذا كانت لديهم الرغبة في إجراء هذا الحوار أو اقتباس كلامهم أم لا، بل كنت أشرح لهم أغراضي من البحث وأخبرهم بالتحديد أين يمكن أن تُنشر كلماتهم أو وجوههم أو أصواتهم. أخبرتهم عن هدفي بأن أُطلع الشعب الأمريكي على تبعات الحروب الأمريكية. وافق الكثيرون منهم على المساعدة، فكانوا يدعونني على الفور إلى بيوتهم حيث يمكن أن تستمر اللقاءات معهم عدة ساعات. كنت أعطي الأولوية لمن هم على معرفة مباشرة بالواقعة مثل شهود العيان أو أفراد العائلة. لكنهم لم يرغبوا بالحديث أحياناً. كانوا يقولون إن النسيان أفضل وتلك مشيئة الله، وكثيراً ما سمعتهم يرددون: ”إنا لله وإنا إليه راجعون“.   

سأل بعض الناجين عن التعويضات التي يدفعها الجيش الأمريكي للضحايا وعما إذا كان حديثهم معي سيجدي نفعاً. كنت أوضح لهم بشكل قاطع قبل اللقاءات أني صحافية فحسب ولا أعمل في مجال الإغاثة ولا أمثل أي منظمة غير حكومية. أوضحت لهم أني لا أستطيع الدفاع عنهم، لكن يمكنني نشر رواياتهم وأن أضيف بيانات الاتصال بهم – إذا أرادوا – في مراسلاتي مع الجيش الأمريكي. فعلى حد علمي لم يتصل أي مسؤول عن تقييم الضحايا المدنيين بهم قط. 

بعد أسبوعين من وصولي إلى العراق، قادتني الإحداثيات إلى تقاطع في حي الزنجيلي في الموصل. وبحسب الوثائق، رصد المسؤولون العسكريون في هذا المكان عام 2017 مقاتلين من داعش يطلقون طائرات مراقبة مسيّرة صغيرة من فوق مبنى منخفض. لم ير المسؤولون مدنيين أو أشخاصاً يسيرون في الشارع قبل إطلاق القذيفة، لكن قبل لحظة القصف مباشرةً ”شوهد مدنيّان قادمان من شارع مجاور نحو منطقة الخطر“ كما شوهدت ”شاحنة صغيرة“ تتحرك باتجاه الهدف. 

خلُص التقييم إلى مقتل اثنين من المشاة، لكنه لم يشر إلى أي ضحايا آخرين من المدنيين. عندما وصلتُ إلى حي الزنجيلي، سألتُ بعض الأشخاص الواقفين بجوار أحد الجدران إذا كانوا يعرفون شيئاً عن أي غارات جوية وقعت في هذه المنطقة. أشاروا إلى المبنى المقابل لنا وقالوا إن مقاتلي داعش طردوا إحدى العائلات واحتلوا منزلاً من طابقين من المنازل الثلاثة هناك. وعلى مدار ثلاثة أيام، كانوا يأتون إلى المنزل ويطلقون الطائرات المسيّرة كأنها حمامٌ زاجل. انبهر الأطفال بتلك الأجهزة الصغيرة فكانوا يتجمعون لمشاهدتها وهي تحلق في السماء. وفي اليوم الثالث، قُصف المبنى. 

أصيب أحد هؤلاء الأشخاص، ويُدعى ماهر محمود، جراء الانفجار. أخبرني أنه كان يسير بجوار المنزل في طريقه لرؤية صديق يبيع السجائر في الخفاء عندما سقطت القذيفة. كان الانفجار كبيراً، وشعر ماهر بشظية تخترق رأسه من الخلف، لكنه أدرك أن انفجاراً ثانياً سيحدث، لذا ركض إلى طريق قريب واختبأ تحت شاحنة صغيرة. كان الانفجار الثاني أكبر بكثير من الأول. في رأيه، لو أن شخصاً نجا من الانفجار الأول، فمن المستحيل أن يكون قد نجا من الثاني. 

ومع استمراري في طرح الأسئلة، وجدت الكثير من الأشخاص ممن لديهم تفاصيل يودّون مشاركتها عما حدث في تلك الغارة. ذكروا لي أسماء القتلى والمصابين، وبعضهم خلع ملابسه ليريني إصابته. تجمّع الأهالي حول جهاز الكمبيوتر الخاص بي في غرفة الضيوف في أحد المنازل، وشاهدنا الفيديو الذي أعدّه تنظيم داعش عن الدمار الناجم عن القصف – وهو فيديو لم يُذكر قط في تقييم الجيش الأمريكي – وطلبت المساعدة في تأكيد هوية جميع الأشخاص الذين ظهروا فيه. كانت المشاهد مروعة؛ أطفال يحملون حقائب الظهر، وجثث يصعب التعرف عليها، وفتاة صغيرة مذعورة ذات عينين بنّيتين واسعتين في المستشفى. أخبرني أحدهم أن الفتاة اسمها أسيل وأن والدها قُتل في الهجوم وأصيبت ساقها، وأنها تعيش الآن مع أمّها في حي الهرمات في ضواحي المدينة. 

عندما وصلنا إلى المنزل، وجدنا عدداً كبيراً من الأطفال في الخارج. كان المنزل مطلياً من الداخل باللون الوردي. تبدو أسيل الآن أكبر عمراً؛ خجولة لكنها تبتسم. أذنت لنا الأم بتصوير الندبة الغائرة في ساقها اليسرى. أخبرتني أنها وجدت نفسها بعد الغارة عالقة خلف باب موصد في غرفة المعيشة، وأنها عندما فتحت الباب أخيراً، سمعت أبناءها يصرخون. قالت: ”أخذت أبنائي الثلاثة وركضت خارج البيت. كان اثنان منهما مصابين“.  

Source link

Comments are closed.